الأحد، 28 يونيو 2026

الانطلاقة لترسيخ العلاقة

 

الانطلاقة لترسيخ العلاقة

تطوان : مصطفى منيغ

جعلت من قاعة المركز الثقافي بتطوان مكان إقامة حفلها الأول المدشنة به بداية إنزال فقرات برنامجها العام الذي سطرته لما تبقى من سنة 2026 ، لتنبه من يحتاج إلى تنبيه أن حمعية اتحاد مهنيي إصلاح السيارات بتطوان لهم نصيبهم من الثقافة ذات البعد الأدبي بكل تفرعاته ، ولا ينأى بها المحيط التقني عن تذوق جمال نثر مغلف بفكر مبدع أو تركيبة قصيدة سابحة في تموجات التعبير الفلسفي ارتكازا على خيال معوض الواقع المعاش بآخر أكثر رحابة وحرية وإبداء لإرادة غير خاضعة لقياس مولد الخوف والتهرب من قولها صريحة أن الحق حق أحب من أحب وكره مَن كره ، أو مسرحية مؤلفة بأسلوب يلامس ما يرغب في حدوثه كل حر عاشق للعزة والكرامة ، وبهذا تكون الجمعية بالمنتسبين اليها ممدودة أياديها للانسجام في الحقل الثقافي الحقيقي النقي ، فنجحت الفكرة وامتلأت القاعة بالمتتبعين المهتمين المدعوين كل منهم باسمه الخاص تدقيقا في ضبط الانضباط نفسه على غرار ما تعودت هذه الفئة المحترمة من الالتزام بضبط الدقة حتى إن عاود المحرك حركته على أيديهم المتعودة على الاصلاح شكلا ومضمونا  كانت المذكورة حاضرة بقوة ، ما مكن الجمعية من تقديم فقرات حفلها القيم في جو من الهدوء والانسجام المثالي والإصغاء الكلي لما نطق به الناطقون المكلفون بإلقاء الكلمات الرسمية للجمعية ، مباشرة بعد التبرك بآيات من الذكر الحكيم ، والوقوف إجلالاً لتحية العلم رمز امة ودولة ، حيث تقدم رئيس الجمعية الأستاذ محمد بلالي ( وهو أحد مثقفي المجال وخبير لدى المحاكم ، وبارز في محيطه التقني المتجدد باستمرار ومتتبع جيد للطارئ في عالم السيارات على الصعيد الدولي) بالكلمة التالية :

"شرَفٌ لي الوقوف أمامَكُم في هذا اليوم المُبَارَكِ ، ونحن نحتفلُ مِن خلالِهِ بانطلاق ِتَنْفِيذِ برامج جمعيهِ مهنيي إصلاح السيارات بتطوان ، لما تبقَّي من سنة 2026 ، وأمل وثيق يغمرنا أن نكون في مستوى الوصول لما نطمح إليه كجمعية مهنية قاعدة تأسيسها مرتكزة على تعاون مثمر يجمعنا كلنا والسلطات المعنية وعلى رأسها السيد العامل ، يحقق تنظيم هذا القطاع الهام وتخصيص ما يضمن له الاستقرار في أمكنة خاصة ، نعلم أن الدولة بقيادة عاهلنا الكريم جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده ، مقبلة على إلحاق المعنيين المشتغلين في حقل إصلاح السيارات بجميع تخصصاتهم بها ، عنوان تقدم مثَّل مطمحَ هذه الطبقة منذ سنين ، ما دام أمرهم يحتاج لفضاء متوفر على شروط العمل بما يلزم من رحابة واستيعاب يد عاملة مقبلة متى تهيأت الظروف الملائمة لاستقبالها ، ولنا اليقين أن السلطات على مختلف مستوياتها التنفيذية واعية أن القطاع في حاجة ماسة لما يؤهله أكثر قياماً بواجبه ، تجاه متطلباته الملحة ، المرتبطة بتقنية السيارات المتطورة يوماً بعد يوم ، وبخاصة في بلدنا العزيزة ، حيث بلغت هذه الصناعة درجة من النمو ما يشدنا إلي تكثيف الجهود والتفكير المبكر في التلقين والتدريب على معالجة كل المستجدات في هذا الإطار ، لذا الجمعية تفكر منذ الآن في فتح قنوات اتصال وتواصل ، مع العاملين في هذا الحقل ، وبخاصة تلك الشركات العملاقة عبر العالم ، وكذا الجمعيات القريبة من انشغالات جمعيتنا ، لتبادل المعلومات التقنية والخبرات ، وتنظيم زيارات متبادلة بهدف الاطلاع عن كثب وقوفا على مبتكرات تخص المهنة ، أو البحث عن استثمارات تعزز مشاركتنا المستقبلية الملبية طموحاتنا قياما بدورنا الفعال في نهضة وطننا ، وفق ما يسعى إليه ملكنا محمد السادس حفظه الله ، وجعلنا من خدامه الأوفياء الساهرين معه وكلنا استعداد للدفاع عن وحدتنا الترابية بأغلى ما نملك ، وبالمناسبة  نعلنها رغبة أكيدة في إجراء لقاء مباشر مع السيد عامل صاحب الجلالة على إقليم تطوان للتحاور معه ، حول مشروع تسعى الجمعية إلي انجازه ، لما في ذلك الخير العميم للقطاع والعاملين فيه ، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ".

... ويأتي دور رئيس اللجنة المنظمة للحفل السيد أحمد مرون ، المعروف بكفاءته التقنية وارتباطه الوثيق بجل العاملين في حقل إصلاح السيارات ليس محليا بل وطنيا الخبير الأوثق والمدقق الأصدق والمحقق الأحق لكل مرتبط بهذه الصناعة أكان مصدرها الشرق او الغرب ليدلي بالكلمة التالية :

"هُنَاكَ مَوَاقِفٌ تَتَضَمَّنُهَا مَسِيرَةِ الإنسَانِ تَزِيدُهُ شُعُوراً بِالعِزَّةِ والافْتِخاَرِ ، مِنْهَا مَا تَتَعَلَّقُ بِتَأْسِيسِ أَمْرٍ جَاعِلٍ التًّضًامُنَ الايجَابِي بَيْنَ جَمَاعَةٍ ، مَيَّالَةٍ لِنَفْسِ الاتِّجَاهِ ، رَاغِبَةٍ فِي تَحْقِيقِ نَفْسٍ الهَدَفِ ، طَامِحَةٍ في الوُصُولِ لِنَفْسِ النَّتِيجَةِ القَائِمِ عَلَيْهَا حَقُّهَا فِي التَطَوُّرِ وَالنَّجَاحِ دَاخِلَ مَيْدَانٍ كَبُرَتْ وَسَطَهُ وَكَبُرَ مَعَهَا ألاَ وَهُوَ مَيْدَانُ إِصْلاَحِ السِّياَرَات ، مَهْمَا شَمِلَ مِنْ تَخَصُّصَاتٍ ، لِذَا وَمَعَ هَذَا المَوْقِفِ نُؤَرِّخُ اِنْطِلاَقاً مِنْ هَذَا اليَوْم المَشْهُود لِمِيلاَدِ إِتِّحَادِ مِهْنِيِّي إِصْلاَحِ السِّيَارَاتِ بتطوان ، عَازِمِينَ عَلَى جَعْلِ هَذَا الاتِّحَاد وِعَاءَ نَشْرَبُ مِنْهُ قِيَمَ التَّعَاوُنِ المُثْمِرِ مِنْ جِهَةٍ والتَّطَلُّعِ لِلتَعَلُّم ِأَكْثَرَ ، مَا دَامَ الحَقْل التِّقْنِي يَشْهَدُ تَحَوُّلاَتٍ مُهِمَّةٍ ، بِوَاسِطَةِ ابْتِكَارَاتٍ تَغْزُوا العَالَمَ ، مِنَ المَفْرُوضِ أَنْ نَكُونَ مُلِمِّينَ بِهَا ، قَادِرِين عَلَى مُعَالَجَتِهَا كُلَّمَا عُرِضَتْ عَلَيْنَا ، وَلَنْ يَتَأَتَّى لَنَا ذَلِكَ إلاَّ باخْتِيَارِ نَهْجِ التَعَلُّمِ المُسْتَمِرِّ ، وَالتَّدْرِيبِ عَلَى الجَدِيدِ ، مَهْمَا تَوَفَّرَ لَدَيْنَا . سنكون في هذه الجمعية على كلمة واحدة ، لِنُعْطِي المَثَلَ الحَيَّ ، أَنَّنَا كَجَمِيعِ المَجَالاَتِ ، نَسْعَى إلَى مُوَاكَبَةِ العَصْرِ ، بِمَا يُنَاسِبُهُ مِنْ خَدَمَاتٍ نَحْنُ قَادِرُونَ عَلَى تَقْدِيمِهَا عَلَى الوَجْهِ الأَكْمَلِ .

 وَفَّقَنَا اللهُ لِمَا فِيهِ الخَيْرَ ، تَابِعِينَ مُؤَيِّدِينَ طَائِعِينَ لِمَن يَسْهَرُ عَلَى انجازه في هذا المَيْدَان وَسِوَاهُ مِنْ مَيَادِين صَاحِبِ الجَلاَلَةِ المَلِكِ مُحَمَّدٍ السَّادِسِ نَصَرَهُ الله ، والسَّلاَمُ عَلَيْكم ورحمة الله تعالَى وبَرَكَاتُه ".

.... أخيراً يأتي دور السيد عبد اللطيف السوسي ، عضو اللجنة المنظمة ونائب الكاتب العام للجمعية وصاحب أعلى تكوين في ميدان ترميم هياكل السيارات  ساقه لغاية البرازيل في أمريكا الجنوبية ، والمتعامل في هذا الإطار مع زبناء أخرهم من فنلندا الواقعة في شمال القارة الأوربية ، الذي ساق سيارته العتيقة قاطعا دولاً أوربية ليصل إلى قرية "أزلا" حيث يتوفر السيد عبد اللطيف على ورشة يزاول من خلالها ممارسة فنه بإتقان عز نظيره ، لتكون كلمته على النحو التالي :

"سعادتي اليوم ، من نوعٍ خاص وأنا أقفُ مُخاطِباً نخبة المسؤولين وأعضاء جمعية تأسست بأهداف عز نظيرها ورؤية مستقبلية تستحق التمعُّن لاستنتاج أهمية من تمسك بمفاهيمها وأبعادها ،  أدركَ أنه سائر على الطريق القويم المؤدية للتطور والتقدم والنجاح ، وسط مهنة لها مكانتها في عصر حديث ، الجُلّ فيه يسعَى للوصول بسرعةٍ ربحا للوقت ، وتوفيراً للطاقة ، وجعل الحياة أقل تعباً عما كانت ، حينما يتعلق الأمر التمتع بالكماليات كالضروريات على حد سواء

هذه الجمعية ليست مقتصرة على تعارف المنتسبين اليها بعضهم ببعض ، ولكن للدراسة والاجتهاد والتمكن المستمر من مستجدات المهنة ، وما قد تصل إليه من ابتكارات تخصُّ أدقَّ ما في السيارات على اختلاف أحجامها ، والعلامات التجارية المنتسبة اليها ، والمتطورة من حيث آليات الكترونية تتعرض للتجديد إتباعاً والمفروض أخذ العلم بها وما تتضمنه حتى نعالج المعروض منها علينا للإصلاح ، متى تعرَّضت للتوقُّف عن خَللٍ اعترضَ عملَها العادي ، طبعا من بيننا من لهم المعرفة الواسعة والإمكانات التقنية الكفيلة بتحقيق توازن ما بين الموجود والمطلوب وجوده ، ومع ذلك الجمعية تتطلع ليشمل المذكور كل أعضائها دون استثناء ، وعلى المتمكنين من تجربةِ أكسبتهم الخبرة في الميدان العمل على وضع لبنة أولى لنقل هذه الخبرة وفق برنامج تدريبي مدروس متوفر له كل شروط النجاح ، ومنها التطوع والتحلي بقيم خدمة الصالح العام بما في ذلك من خدمة صالح هذا الوطن . ولنا اليقين وبحماس مسؤول ، ورغبة أكيدة ، وطموح مشروع ، أننا في هذه الجمعية سنصل لما ننشده من ضمان حقوقنا المهنية من جهة ، وتطوير ما نحن قادمون على تطويره من علاقات مثمرة مع جهات لها نفس الأهداف ، أينما تواجدت داخل أو خارج المملكة المغربية .

شخصيا لن ابخل بالمشاركة في طرح الخبرة ، لينالَ مِن ايجابياتها مَن يرغبُ في ذلك ، تلك الخبرة التي اكتسبتها عبر سنوات طوال وبخاصة في دولة البرازيل بأمريكا الجنوبية .

أملي إيجاد مَن يصغى لمطالبنا العادلة ، ويضع يده في أيدينا لنتقدم في هذه المهنة ، ودوما إلى الأمام ، محققين ما يعمل صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله ، لجعل هذا المجال على غرار غيره من المجالات ، في مستوى طموحات الشعب المغربي ، المعبِّرِ دوماً عن التشبث بأهداب العرش العلوي المجيد .والسلام عليكم ورحمة الله ." 

... وتأتي الفقرة الحاسمة من تأطير مصطفى منيغ نزولاً لرغبة الجمعية في مشاركته احتفاءها ابتهاجاً بانطلاق نشاط برنامج يتضمن ما يُدخل الحماس النبيل لكل أعضائها أكثر وأزيد ، واستعدادهم التلقائي لإنجاح أهداف جمعيتهم الموقرة ، المتضمنة الدفاع عن مصالحهم جملة وتفصيلا ، ومما ذكره مصطفى منيغ مختصراً فى خطابه المباشر لأعلى سلطة في الإقليم السيد العامل (المحافظ) مذكرا إياه أن ما تقدم له خزينة الدولة من أجرة عالية مستخلصة أساساً من عرق الشعب تجعل منه خادماً لمصلحة هذا الشعب هنا في تطوان ، بفتح ليس فقط أبواب مكتبه  بل عقله لاستيعاب ، أن المرحلة ليست مرحلة التربع على الكراسي الوتيرة والتمتع بالهواء المكيف والانزواء مع قضايا لا ولن تساهم في ضمان استقرار الأمن الاجتماعي ، بقدر ما تبحث عن تغطية فشل كالحاصل في شأن "تطوان العاصمة الثقافية لحوض البحر الأبيض المتوسط " ، ولن يخسر ذاك العامل للإقليم شيئا لو انتبه قياماً بواجبة لأعضاء هذه الجمعية البالغة وأعضائها نضج التحضُّر ، الواعية بما لها وما عليها ، المحرومة من أحق حقوقها ، لن يخسر شيئا إن اجتمع بها واستمع لمطالبها ، وكلها عادلة ومشروعة ، بل سيربح الكثير ، ومن هذا الكثير معرفة أن ألاف المركبات المتحركة في تطوان مدينة وافي تحمل لبصمات إصلاح أعضاء هذه الجمعية لها ، وهم في حاجة لإصلاح حالهم ، لقد منحوا للدولة كل شيء تكفلوا بأنفسهم تربيةً وتثقيفاً ، أقاموا أوراش يحصلون منها على قوت يومهم وذويهم والأكثر من هذا يعطون الدولة ما يقدرون وما لا يقدرون عليه من الضرائب ، ألا يستحقون من الدولة بواسطة ممثلها في هذا الإقليم جلسة لدقائق بحثاً عن حلول كلها قابلة للتطبيق وبيسر ؟؟؟.

... وفي جو من التفاهم وتبادل الإعجاب بما قيل ، انتهى الحفل بتناول كؤوس الشاي وحلويات وتبادل التحايا من القلوب ألي القلوب . 

مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان

في سيدني - أستراليا

212770222634

mmassafir2@gmail.com

https://zaman-tetouan.blogspot.com

 

الثلاثاء، 9 يونيو 2026

للفهم بداية وصولا للختم

 

للفهم بداية وصولا للختم

القناطر الخيرية : مصطفى منيغ

كبرت في وجداني محبة مصر مذ كنت طفلا ألهو بين حارات المدينة ، وحينما أتذكر تلك الأيام الخوالي يحلو لي تبيان ما اختزنته ذاكرتي من صور لطيفة عن هذا البلد ، استرجعها الآونة فأشعر بالمتعة والسعادة . حينما كنا " شلة " من الأصدقاء جمعتنا المدرسة لتحصيل دروس التاريخ والجغرافية ، فلم نستوعب أحسن وأزيد من استيعابنا لجغرافية مصر ، وجزء بسيط جدا من تاريخها العظيم نتسامر به ونفخر بين أزقة المدينة العتيقة بمعرفتنا موقع مصر على الخريطة ، حيث تأتينا تلك الأفلام التي طالما " انضربنا" ونحن نلتمس الأعذار من تسربنا لمشاهدتها في دار السينما التي كانت تزدحم بعشاق محمد عبد الوهاب ، للتفرج عليه وهو يشدو بأحلى الأغاني في فلمي " يوم سعيد" و " الوردة البيضاء " وغيرهما . فلا نكترث بالضرب حينما تجمعنا بيوت أهالينا في المساء ، فالآباء حريصون في ذلك على متابعة أطفالهم الدراسة والتحصيل بدل الانشغال بصور لا طائل من تتبع حركاتها ، كنا نتحمل العناء والتعب  وعذاب الضرب من أجل سماع صوت مصر ونحن أطفال ، كما كنا نتلقى العلم عن مؤلفات مصرية ، وبين هذا وتلك، نسمع المذياع واللهجة المصرية تنساب منه ، تحكي لعقولنا الصغيرة  آنذاك ، ما جعل الوجدان فينا يتطلع ليوم آت تتحقق فيه الأمنية ونزور تلك الأرض الطيبة ونشبع أعيننا من رؤية جمالها الساحر الذي طالما تلألأ في مآقينا أحلاماً وردية صعبة الوصف . ولا أعتقد أن مدينة مغربية أحبت مصر أكثر من مدينتنا ، ومن ينتسب إليها لابد وقد جاهد الظروف وبعد المسافة من أجل الالتحاق بها ليحيا لحظة الانبهار المرسومة في ذهنه مباشرة دون خيال يحجز الواقع في قفص المستحيلات ، ولكنها اللهفة لاحتضان عشيقة رسم ملامحها بأحاسيسه كلها، فعاش العمر يترقب اللقاء بها . شعور غريب يربط الإنسان بماضيه  بطفولته  يعيده لوعي غمر فكره أثناء عهده الأول بالحياة وهو يسير تتقاذفه تصورات ومواقف يتخيل نفسه داخلها وهو يردد نفس الكلمات بلحن يسكن دواخله في صمت لا يكاد يجهر به حتى يرتاح من غليان شغل صدره بما يجيش فيه من لوعة. و بئس الغليان في عقلية الآباء ، إن كان مقطعاً من " أحِبِّ عِشْةِ الحرية " . كانت حبلى بعطاءات فلذات كبدها من مختلف الأعمار ، لم يستطع الاستعمار الإسباني محو معالم ارتباطهم بعروبتهم بما حفظوه من أشعار حافظ إبراهيم ، وأحمد شوقي وغيرهما كثير ، وبما تغنوا به من ألحان سيد درويش ، ومحمد عبد الوهاب وغيرهما كثير ، وبما درسوه عن مصطفى لطفي المنفلوطي ، وطه حسين وغيرهما كثير ، كانت القصائد الشعرية تتوافد على المدينة بالعشرات ، أما الأغاني فما هدأت الساحات من صدى ألسنة الناس وهي تردد الجديد منها على امتداد النهار ، أما الكتب فكانت تنتقل من يد إلى أخرى في حنان واحترام مما جعلها مطمح كل بيت فيه تلميذ يريد شق طريق المجد والارتواء من منهل العرفان الصافي . فكيف سيكون مآل مدينة كهذه عاشت مصر في وجدان أهاليها مصانة الجانب معززة المقام قصيدة شعرية ، وزجل مُغنَّى ، وأدب مقروء  إلا الاعتزاز بمصر كبلد عربي أصيل ، تعلموا منه فضيلة التضحية ، وجمال الإخلاص للوطن ، ومكانة التعلق بالحرية ؟ . لذا لم يكن غريبا علي هذا الذي شرحته (قدر المستطاع) وأنا أطل من نافذة الطائرة المحلقة على ارتفاع منخفض فوق سماء القاهرة ، قاهرة  النيل الخالد ، قاهرة السبعة ألاف سنة عرفتها مصر حضارة وتراثا إنسانيا سيبقى مشرق المعالم ما بقيت الحياة ، قاهرة هؤلاء الأساتذة الأجلاء الذين تتلمذتُ على أيديهم بمدرسة "البوليتكنيك" جابر بن حيان الآن في مدينة تطوان ، أو المعهد العالي للعلوم الاجتماعية الذي كان تابعا آنذاك لجامعة محمد الخامس بالرباط العاصمة ، قاهرة العباقرة الذين عرفتهم الساحة العالمية قدوة للفكر المبدع الخلاق في جل الميادين ، قاهرة العبور من أجل استرجاع كرامة العرب في حرب أكتوبر المجيدة ، قاهرة  الأزهر الشريف الذي ما مرت لحظة وجيزة إلا وكان جهاده أقوى لنصرة قضايا الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، وما مر يوم إلا وزود عقل المؤمن ولبه بما يقيه من شرور الأنفس الضعيفة ومنحه القوة العلمية ليغدو معلمة فكرية منيرة تضيء مسيرة الناس نحو الصلاح والفلاح . ما أن فُتح باب الطائرة حتى تسرب هواء مصر الممزوج بطين النيل يملأ الصدور العاشقة عبر السنين هذا المنهل الطيب وكأنه يرحب في " خفة دم " بالزائرين القادمين إلى أرض الكنانة لمعايشة تلك الأيام التي ما خلى كتاب عبر العالم إلا ومنحلها من التقدير ما جعل منها منارة تطال القارات الخمس وهي تشحن العقول بمعنى النضال الحق من أجل إثبات الكرامة ، وصيانة الشخصية الذاتية من شوائب الانكسار . كنتُ ساعتها الوحيد من مدينة تطوان المغربية أحمل بين جوانحي أسماء العشرات من أصدقاء الطفولة نشرتها مع ذبذبات الصوت على أرضية مطار القاهرة الجوي ، الذي أحال الليل بيني والتمعن الكافي في محاسن بناءاته المهيكلة . المهم إنها لحظات والحافلة تفتح لنا الباب لتوصلنا في سلام وأمن و طمأنينة إلى مدخل القاعة المهيأة للإجراءات القانونية التي تسمح للزوار بموجبها الولوج رسميا إلى أرض جمهورية مصر العربية . لم تأخذ تلك الإجراءات الأمنية وقتا يُذكر ، بالعكس  ذُهلت من السرعة التي انتهت إليها الأمور ليفسح لنا ضابط الأمن الطريق لنعانق القاهرة كما نشاء ونرضى . وللحقيقة الثابتة ، إنني كلما قدمت جواز سفري بطلب من رجل أمن أو جمركي إلا وسمعت منهم مدحاَ صادقاَ لوطني المغرب ، وحديثا طيبا عن أهل المغرب . فما زادني ذلك إلا حبا والتصاقا بمصر وشعب مصر الطيب الكريم المضياف . كانت الساعة تقارب الثانية بعد منتصف الليل حينما أخذت تاكسي من فندق " ميناهاوس" متوجها إلى مدينة " القناطر الخيرية " . ظل سائق التاكسي الشاب ساكتا وكأنه قرأ من ملامحي أنني غريب فما استطاع أن يسأل، حفاظا على راحتي حتى في الكلام ، إلى أن وصلنا مكانا فهمت بتواجد العساكر فيه أنه حاجز للتفتيش . إبان ذلك طلب مني السائق أن أمده بجواز سفري ليقدمه بدوره إلى العسكري الذي دنى مني وبأدب جم خاطبني : ـ الأخ من المغرب ؟ . ـ نعم . ـ أهلا بك في مصر معززا مكرما . وهنا توجه بالكلام إلى سائق التاكسي وخاطبه قائلا :
"
أوعه تكسفنا مع الرجل ، وديه للحته اللي هو عوزها ، فاهم. أجابه السائق وكله انتباه :حاضر يا فندم ، إطمئن يا به ، من عني الإثنين يا باشا ، مع السلامة

وصلتا إلى مدينة"القناطر الخيرية" والساعة تشير إلى الثالثة بعد منتصف الليل . الكل هنا هادئ ، الناس في منازلهم ( في أعز نومة ) الشوارع خالية من المارة ، حتى العربات لا أثر لمرورها بما تحدثه من أصوات عادة سألت سائق التاكسي الذهاب بي إلى أي فندق ، لكنني اندهشت حينما أخبرني أن "القناطر الخيرية" خالية من الفنادق. فماذا أفعل ؟ ، لم أفكر طويلا بل طلبت منه التوجه بي إلى مقر المركز وهناك سأتدبر أموري . بالفعل أوصلني إلى بناية مطلة على الطريق الرئيسي ذات الواجهة الهندسية الجميلة ، والباب الزجاجي الكبير، فولجت من الخلف، وفي تلك اللحظة انبرى عسكري المطافئ مصوبا فوهة بندقيته إلى صدري صائحا :قف مكانك ، من تكون ؟؟ ،قالها والتعجب الممزوج بالغضب قد حول سحنته السمراء إلى جمرة حمراء ، فتيقنت أن العسكري لا يمزح ، وأن أصبعه مثبت على الزناد ، ولا مناص لي من الوقوف بلا حراك. لكن الله سبحانه وتعالى أنزل لطفه بنا تلك اللحظة وفهم العسكري أنني ضيف مغربي على " القناطر الخيرية" ، وأن ما أحمله في الحقيبتين هندام لي لا أقل ولا أكثر . فأشار علي بالتوجه إلى الناحية الأخرى للبناية ، وسيفتح الحارس الباب لي لأستفسر عما أريد . صفقت بحرارة لهذا العسكري واسمه  علي عبد المقصود من المطافئ ، صفقت لهذا الحارس الأمين الذي ما داعب الكرى جفنيه ولا إغراء دفء الفراش عن القيام بواجبه ، وما أوقفه عليل الليلة المنعش عن حذر ألتزم به حفاظا على أمن المكان المكلف بالدفاع عنه وبسط الشعور بالأمن حوله ، وهنا تيقنت أن العسكري المصري في مستوى المسؤولية ، وأن مصر مصانة بجفون أبنائها البررة ونبضات أفئدتهم وقوة سواعدهم ، فتح الباب الزجاجي فانبرى رجل مرتديا جلبابا مصريا تقليديا تعلو قسمات محياه علامات التعجب ، لكنها لحظات قصيرة ليتخذ التعجب شكل ترحيب أساسه طيبوبة قلوب المصريين وسماحة خاطرهم وشيمهم الرفيعة المستمدة من الشريعة الإسلامية السمحة ، فامتدت يد الرجل تصافحني بحرارة ، وبدون أن يسأل عما أكون أخذ بيده الأخرى إحدى الحقيبتين  وبالتحديد أكبرهما ، جاذبا إياي في لطف نحو الداخل مقدما إلي فراشه حتى أستريح من عناء السفر . ومن الأمانة القول  أن صاحب التاكسي لم يبرح المكان حتى اطمأن أنني الآن بين أيادي أمينة وأنني لم أعد في حاجة إلى خدماته ، فكان بحق نعم المرافق ونعم القائم بواجبه . الرجل الذي خصني بكرمه وتنازل لصالحي عن فراشه لأنام في سلام ، يطلق عليه في مصر " عامل السويتش " وعندنا في المغرب ، المكلف بمراقبة الهاتف وإيصال المكالمات حسب اتجاهاتها لهذا المسؤول أو ذاك ، وتلقى الإشارات والتعليمات أثناء أداء عمله الليلي . الرجل اسمه السيد شعبان عبد الغفار، وللحقيقة أسجل هنا ، أن هذا الرجل جعلني لا أندم عن محبتي لمصر، بل جعلني أغوص إلى جوهر هذا الارتباط الروحي الذي يجمعني والإنسان المصري أينما كان وكيفما كان ، لأتعلم وأفيد ، وقد خرجت حمدا لله بما يرسخ ما تمسكت به طوال حياتي من خيط رفيع لكنه قوي لأنه شريف ونظيف يجمعني وهذا الشعب المصري الأصيل الطيب الشجاع المقدام الوفي المجاهد المؤمن بالله اسمي ما يكون الأيمان المحب للخير ، لم أقدر على البقاء في تلك الغرفة ، كان الشوق لمعانقة مصر أقوى من النوم وأشد من الانزواء للراحة ، فخرجت . لا أدري إلى أين ؟ ، لكنني مشيت فوق أول طريق واجهني بمحاذاة النيل العظيم ، حيث بساط صبغه القمر من ضيائه المنعكس في تناغم على لجين الماء  ، وحيث خرير المياه تموجات تتصاعد صوتا  حنينا  تترجم تلاحم مياه حلوة بتربة طيبة خُلقت كل منهما للآخر لتكون الحياة وتبقى نضرة يانعة تطفو بهالة من الجمال الفاضل على سطح مصر وتزرع جذورها في جوهر نفس البلد لضمان استمرارية العطاء في مستوى مسؤولية مصر وموقعها لحكمة مقدرة لا يعلمها إلا الباري جل وعلا ، وما أنبلها وأكرمها و أطيبها من حكمة ،
ومع بزوغ خيوط الفجر الأول وجدت نفسي وسط ساحة بدأت الحركة تدب فيها رويدا رويدا إلى أن وصلت الذروة . كان هذا أول لقاء مباشر لي مع الشعب المصري ، والحياة المصرية على الطبيعة وبعيدا عن شاشة التلفاز ، حيث المسلسلات تتفاوت في نقل حقيقة الشارع المصري . جلست على مقهى تقدم " الشيشة " لأحتسي كوبا من الشاي التقليدي المصري ولأتفرج في انبهار وإعجاب على آلة حديدية يصدر منها هدير ، تدور بمادة أو " عجين" أخضر اللون بداخلها دورات مسرعة تتخذ معها تلك العجينة شكلا لزجا بعض الشيء ، وبجانب الآلة امرأة منهمكة في إعداد وعرض " رغيف العيش " وتنظيف بعض الصحون المختلفة الأحجام و الألوان ، تظهر بين الحين والآخر عن أطعمة مهيأة من قبل أبرزها " الفول المدمس ، وفجأة تتجه نحو الآلة لتوقفها وتخرج منها العجينة الخضراء وتعالجها باليد مانحة لها شكل أقراص في حجم وسط كف اليد ثم تضعها في مقلي لتنتهي في طبق العرض صفراء بعض الشيء يقتنيها الزبون بخمسة وعشرين قرشا ليزدردها في لذة ، وقد علمت ، فيما بعد أن الأمر يتعلق بقرص " الطعمية " ، الأكلة الشعبية الثانية بعد الفول المدمس في مصر  ، عدت إلى المركز أو بالتحديد إلى مقر الوحدة المحلية لمركز ومدينة القناطر الخيرية ، لأجد هناك مجموعة من السادة المسؤولين في انتظاري لتبدأ الزيارة التي تركت الأثر الحميد المحمود في نفسي ، والتي جعلتني أنا المغربي والمصري إنسان واحد تجمعنا الروح الإسلامية السمحة ، والقيم الرفيعة ، والأعراف النبيلة ، والغيرة الوطنية ، والشهامة العربية وبكل مقومات الرجولة والشجاعة ، وجدت هناك الأستاذ احمد عبد المومن بحيري ، مدير مكتب رئيس المركز ، الذي لم يترك مشروبا واحدا دون أن يعرضه علي ، بل أقسم أن أتناول وجبة إفطار كاملة داخل مكتبه ، وهو كرم لطيف منه ، فلم يكن علي إلا الانصياع ولساني عاجز عن شكره ، بعد ذلك تعرفت على الأساتذة : سيد عامر ، مدير إدارة التخطيط ، وشاكر هيكل ، مدير إدارة السياحة ، وجميلة أحمد موسى ، سكرتيرة رئيس المركز ، وصادق حسين صادق من مكتب رئيس المركز ، وأخيرا أخي وزميلي العزيز محمد سعيد أبو زيد ، الذي مهما شكرته لن أوفيه حقه ، فالرجل نسخة طبق الأصل للمصري الذكي المتعلم ، المتواضع في قوة ، المستحيي عن إيمان ، الصابر عن مبدأ ، المبتسم عن طيبوبة قلب، المتجهم عن قناعة ، المتزن عن دبلوماسية ، الصائب في الاختيار عن دراية شديدة العمق ، الإنسان بكل الأحاسيس والتطلعات والطموحات والعواطف وبالتالي بالعقل المشحون بالجدية في تصريف الأمور وتدبير المسؤولية التي يتحملها عن جدارة واستحقاق .

أما المهندس عبد الحميد توفيق نصار ، رئيس مركز ومدينة القناطر الخيرية فذاك مدرسة وللمدرسة حقوق الإسهاب في وصف أقسامها وما تحتضنه من مواهب ، وما تخفيه من تقنيات كفيلة بتحريك جموع من المتلقين حيث تريد ووقتما تريد. وأرجيء الحديث عن هذه المدرسة لوقت لأحق ، اصطحبني المهندس عبد الحميد به (هكذا يسمونه هنا) لزيارة مدرسة تحتفل ببعض تلميذاتها الفائزات في مسابقات شتى على صعيد دولة مصر كلها ، وكانت مناسبة طيبة للتعرف وعن كثب ، على الأسلوب المتبع في المدارس المصرية ذات التخصص والبرامج والمناهج التعليمية عموما ، وكانت الكلمات التي سمعتها عن مسؤولي هذه المؤسسة ، أن حقيقة النجاح الملحوظ فيها أساسه احترام الملقن لواجباته التربوية ، بالإضافة لمحبة هذا الملقن لمهنة التعليم التي اختارها وحولته إلى ضمير حي تقاس به درجة الغيرة الوطنية والحماس لتكوين جيل صالح قادر على مواجهة تحديات كل المراحل القادمة . وكم كنت سعيدا وأنا أتقبل باقة ورد مهداة إلي من الأستاذة الفاضلة فتحية محمد يوسف المليجي ، مديرة الإدارة التعليمية بالقناطر الخيرية باسم المدرسة إدارة وأطرا وتلميذات ، وكنت أسعد بالكلمات الطيبة التي فاهت بها الأساتذة المحترمون في حقي كصحافي مغربي ، الشيء الذي حتم علي أن أتناول الكلمة بدوري لأرتجل ما نصه : " حبذا أن أواجه نفس الموقف المشرف في كل مؤسسة تعليمية على امتداد الدول العربية . وحبذا لو كان هذا الأسلوب التشجيعي مكرر من المحيط إلى الخليج ، لا عجب أن نرى هذه المرحلة المتقدمة في المجال التعليمي المصري ، ذلك أن مصر قادرة على الابتكار لتكوين أجيال في مستوى المعركة المصيرية مع الحياة ، من مصر تعلمنا ولا زلنا نتعلم ، وسآخذ من هذه الشهادة التقديرية الممنوحة للتلميذة لميناء فهمي عبد الحميد عينة للمطالبة بتعميم هذه البادرة ، بحيث يوجه التلميذ أو التلميذة لتعلم أسس بعض الحرف الضرورية منذ الخطوات التعليمية الأولى ، بل وتخصيص حوافز تشجيعية لهم كالممنوحة الآن وفي مدرستكم هته للتلميذة لميناء في الفنون المسرحية . وشكرا لكم" .  تجدر الإشارة بالمناسبة أنه من بين الطلبة والطالبات الفائزين على مستوى جمهورية مصر العربية والحاصلين على شهادات تقدير وشهادات استثمار من وزارة التربية والتعليم نجد 1/ لميناء فهمي عبدا لحميد من مستوى الثالث ثانوي عن مدرسة التجارة بنات بالقناطر الخيرية .2/ سلوى إبراهيم عمر.. من مستوى الثالث ثانوي عن مدرسة التجارة بنات بالقناطر الخيرية . 3/ ميرفت علي محمود.. من مستوى الثالث ثانوي عن مدرسة التجارة بنات بالقناطر الخيرية . 4/ محمد طاهر عمر.. المستوى ثاني ثانوي عن المدرسة الثانوية بنين بالقناطر الخيرية .5/ عمر سعيد عقيقي .. المستوى الأول إعدادي من مدرسة خالد بن الوليد الإعدادية .6 علا محمد محمود المستوى الثاني ثانوي عن المدرسة الفنية الصناعية بالقناطر الخيرية .7/ محمد سلامة أحمد الثالث ثانوي عن مدرسة الصنائع بالقناطر الخيرية . 8 أعيد مصطفى أحمد.. الثالث ثانوي عن مدرسة الصنائع بالقناطر الخيرية . وقد فاز هؤلاء في التفوق المسرحي تحت إشراف الأساتذة : عبد الفتاح سعد الدين .. نجوى بوغلي .. ماهر الشيخ .. أنور عبد المنعم .. حمد عثمان . (يتبع)

(الصورة : الميدالية الذهبية لمدينة القناطر الخيرية مهداة للأستاذ مصطفى منيغ مقدمة له من طرف رئيس المركز / عامل الإقليم)

مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

212770222634

%متحف تحفة المتاحف

 

متحف تحفة المتاحف

القناطر الخيرية : مصطفى منيغ

الصمود شيمةٌ لمن اكتسب تاريخ البدء لجل الأشياء وكَبُرَ مع تطوُّرها ، شعب مصر العظيم تحلَّى بهذه الصفة بل يُوضَعُ مَوْضِعَ قالَبِ تجديد حسنات هذا الصمود حينما يتعلق الأمر بدولة لها خصائصها ، ومنها كانت البداية مع الأشياء المُكمِّلَة للتكيُّفِ مع مستلزمات العيش فوق الأرض والقاسية أحياناً في شروطها ، وما أروع التأسيس عن غير سابق معرفة بالمُؤَسَّسِ حيث الحاجة تتبوأ دور الأستاذة المعلمة الملهمة معتمدة على بواعث متطلباتها ، لم تكن كثيرة لكنها كافية لإنجاز تدرُّجٍ مهما اتخذ مسار البساطة والبطء وصلَ لبصيص نور ينثر إشعاعها ، المحاط بانبهار ألْزَمَ الاجتهاد لبلورة خطوتها الأولى داخل تلك البيئة بخطوات واعدة وباستمرار تعقبها .  أجناس تعاقبت على هذه البقعة لا يمكن حصرها ،  لعدم معرفة أكثرها ، أما الباقيات التي وصلتنا عن طُرُقٍ العِلم أقرَّها ، لم تكن سوى مرحلة تقدَّمت لتتَّسع بما فيها ، لأجزاء من البسيطة وُزِّعَت على قارات لم تكن بعد خمسة أعدادها ، مورس ما وصل اليها من مصر متعلقاً بما يمهِّد السبيل لترجمة الحياة البشرية للغة الشعور بمسؤوليات البقاء تحقيقا للأهداف المخلوقة من أجلها ، ومهما تقدمت تلك الأجناس في زحفها ، لاستكشاف مجهول ذاك الزمان كانت مصر حاضرة في أي مادة أو آلة مُسْتَعان بها ، ومَن يتحدَّث عن مقياس صِدْقِ أصلِ الانتساب أن يتفهَّم قواعده الأولية من جغرافية مصر وتاريخها ، ومتى وصل لعهد الفراعنة أقرَّ أن تلك الدولة تأسست ليظل استمرارها ، معجزة غير قابلة للتقهقر أو الانهيار ليُضرَبَ بها المثل إلى أحر ثانية الدنيا فانية بعدها ، لذا مهما هَبَّ ريح الحاجة يُبْقِى بطوناً خاوية يتلوه ما يُوفِّره الفرج بسخاء القدر لينعم كل فرد فوقها ، بما يضمن الحفاظ على وتيرة المد والجزر فوق كيانها ، غير قابل للتبدل تعلق الأمر بعقلية أهلها ، أو تمدد قبل تجمُّد (والعكس صحيح) حركية إمكاناتها ، وما دام النيل العظيم جارياً (بسد النهضة ومخاطره أو بدون إعطائه أي أهمية) لا خوف على غَدِها ، فالمالك هو الخالق وهو المدبر الحافظ له وما يتضمنه في أحجام متفاوتة الزيادة أو النقصان لأمتار مكعبة نافعة والرحيم العادل في رحمته للملايين من عبيده فوقها .

... مصر هي مصر مهما غمر فيضان الزمن أمصاراً فأغرَقَها نِسياناً ، تبقى له نقطة الارتكاز المانح بها الدليل عنوانا ً، أن البشر مهما تضاربت أعمارهم أجيالاً بعد أجيال لا تحصيهم بالمعروفة قروناً وتناسلوا رفقة ما ابتكروه لن يصلوا لأقل من ربع ما أنجزه نفس البشر لكنهم مصريون جعلوا من معرفة المعارف فنونا ،   لإقامة أشياء لا توصف أحياناً ، لخروجها عن التصديق بما تتضمنه من خوارق أدناها أحسن  من الحسن حسناً ،  وما بقاياها الشاهدة اليوم على ذلك سوى كسور لا زال من يزورها يتصور انه وسط عالم أخر لا يتخيل انبهاراته الخيال ولا يضبط ببصرة ما يتمعنه أشكالاً وأحجاما وألواناً .

... كنت أول صحفي مغربي فُتِحَ له باب مسرح متحف الري في عرضٍ خاص به ، أثناء زيارة قمت بها لمدينة القناطر الخيرية ، بستان مصر الدائم الخُضرة ، المفروشة ثراه بزهور تشكلت عبر حقبٍ تفوح عطراً تأنس أنوف المارين أصحابها على شمها ولو مرة واحدة ، لتبقَى عالقة مدى حياتهم منعشة حواسهم ، كلما مر طيف ذاك المنهل ، بما بثَّه بينهم و لا زال من أنوار جمال ، يؤكد أن للدنيا مواقع غير عادية تعشقها الحياة ، وفي طليعة تلك البقع مصر بعموم مساحتها وتحديدا أثمن جوهرة فيها وأسمها القناطر الخيرية ، حيث النيل له قصة يرويها مشخصة بالصوت والصورة خاطبني بها لتبقى راسخة في ذهني تقربني لعظمة ما اكتشفت فيه من استعداد متجدد قائم على رفع رؤوس المصريين شامخة ، مهما تعرضوا للبوح عن سر امتلاكهم تلك الإرادة ، التي لا تتركهم مرحلة إلا وأضافوا مفهوما جديدا لمعاني ذاك الارتباط الوثيق ، البالغ حد التلاحم المطلق ، مع هذا الشريط المائي الخالد ، وما وفَّره لمصر أرضاً وبشراً مما يغنيهم عن السؤال مَن بالحاجة محدود ، لأخر رمق في الوجود .

غير بعيد عن مقر إقامتي شيد أضخم متحف ري على مستوى جمهورية مصر العربية ، والتجول بين أركانه ، والتمعن في محتوياته من نماذج مصغرة لكل ما يوجد فوق النيل من قناطر وحواجز وسدود ، يعد من أنفع الدروس وأكثرها وسيلة لمعرفة المجهودات التي بذلها الإنسان المصري ، منذ تواجده على هذه الأرض ، لاستغلال مياه النهر لفائدة استمرار الحياة على ضفتيه ، وما كان ذاك الدرس أن يطرق الذاكرة فيلجها ويتربع وسطها لولا كفاءة هؤلاء الأساتذة المكلفين بالمتحف والمسؤولين عن إيصال محتوياته في إطار شروحات مبسطة لكنها مسهبة وكافية لعشرات الزوار الوافدين على المتحف يوما . تعلق الأمر بالتلاميذ أو الطلبة المصريين أو المهتمين من مختلف بقاع المعمور . لقد استقبلني مدير المتحف بكل حفاوة وأدخلني مكتبه لتسجيل حوار سأنشره لاحقا وبالكامل ، وإنها التفاتة كريمة من سيادته تنم عن أخلاق عالية واحترام عميق للمغرب والمغاربة . وكنت من القلائل الذين استمعوا في جلسة ضمتنا نحن الثلاثة فقط العبد لله ومدير المتحف ومرافقي الرسمي الأستاذ محمد سعيد أبو زيد ، بعرض خاص ، داخل قاعة مبنية على شاكلة مدرج جامعي ، لقصة سريان النيل ومن عايش ذلك من إقامة حضارات متنوعة موغلة في القدم على ضفتيه ، من نبعه إلى مصبه في البحر الأبيض المتوسط ، بالصوت والصورة ، كان العرض حقا في مستوى قدرة المؤرخ المصري والفنان المصري والتقني المصري على الإبداع والإتقان ، ولقد أغناني العرض عن كل المراجع التي كنت في حاجة إليها لأكون فكرة عن الموضوع ، فخرجت بانطباع أن الباحث على معرفة مصر يجب عليه المرور من هذا المتحف لأنه تجسيد مصغر لكل تاريخ مصر .

... وتطغى الرغبة فتتحقق الأمنية وأجد نفسي حيال أروع ما بناه الفراعنة منذ ألآف السنين ، وعلى بعد أمتار يتعالى الرأس الشهير لأبي الهول في شموخ الأزمنة البائدة ، يصارع آهات العابرين في خطوات مثقلة بالإعجاب لهذه البقعة الرهيبة ، يتمتمون بكلمات .. أكبر منها الإحساس بعظمة اللحظة / اللقاء . فيتوه الفكر فيما لا نهاية له إلا هذا الواقع والغبار يتطاير بين حوافر خيول يجمع الماسكون بها لقمة العيش لا أرى حقا ما السر في هذا التجاوب المحير ، والتعاطف البريء ، بين جموع البشر وهذه الحجارة الناطقة رغم صمتها الدفين بألف حكاية ، عن ألف أسطورة ، عن ألف صورة ، عن ألف بصمة متروكة في حجم البقعة .. حيث مر " خوفو " متباهيا بصنيع قومه ، ومعجبا بشخصه ، ومزهوا بما ظن أنه إكسير يخلد حياته رغم الرحيل وأي انبهار ممزوج بالحسرة لمجرد إطلالة قصيرة على مساحة اختيرت لتبقى على حالها مهما تعاقبت السنون وتواصلت الأجيال ؟ . فالدنيا مليئة بالمفاتن، لكنها مصر، العروس الأكثر فتنة، يذوب الوجدان كلما رمقها البصر عن حسن نية، و امتدت الأحاسيس للارتواء من عطر أيامها، لكتها مصر، قافية قصيد الحب والرجاء، وترنيمة العشق والضياء، لكنها مصر المفاخر مذ كانت طفلة، ومصر الأمجاد مذ كانت صبية، ومصر العزة وقد أصبحت بمآثرها للمعمور أغنية . (يتبع)

(الصورة : داخل متحف الري بالقناطر الخيرية  ، مصطفى منيغ يتوسط مدير المتحف والأستاذ محمد سعيد أبوزيد)

 

مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

212770222634

الانطلاقة لترسيخ العلاقة

  الانطلاقة لترسيخ العلاقة تطوان : مصطفى منيغ جعلت من قاعة المركز الثقافي بتطوان مكان إقامة حفلها الأول المدشنة به بداية إنزال فقرات برن...